×

الوباء الذي أسقط ورقة التوت من فوقنا

  • الوباء  الذي أسقط ورقة التوت من فوقنا
إن مصيبة الوباء قد أسقطت ورقة التوت من فوقنا، فعلا لا أستطيع أن أصف حجم خيبة الأمل التي أشعر بها و أنا أرى حقيقتنا منتصبة أمامنا في هيئة وحش كاسر يبتلع شيئا فشيئا كل التفاصيل الجميلة التي عايشتنا على مدى التاريخ المعاصر لوطننا و صنعت بالتالي ذلك الحبل السري الذي يربطنا بهذه الأرض.
دولة هاوية بمعنى السقوط و بمعنى غياب الإحترافية، فساد ينخرها إلى النخاع أرخى بستاره على الوضع العام في البلاد فتفشى الفقر و البطالة و تعمقت الطبقية و تزايدت نسبة الجريمة و الهجرية الشرعية و الغير شرعية و حالات الإنتحار حتى في صفوف الأطفال، و العجيب أن هذا الفساد تشعر بوجوده لكنك لا تراه ولا تستطيع مسكه ولا القبض عليه كأنه هواء ملوث منتشر في كل مكان جاثم على صدورنا يخنقنا دون حيلة منا ولامقاومة، و حين تلوّح بالسخط و توجيه أصابع الإتهام لهذا أو لذاك يصبح الجميع شرفاء و تتّهم بالعداء للثورة و الإنتماء للثورة المضادة.
حكومة ظنت أن السلطة تشريف و أن دواليب الدولة تدار بصفة آلية فأصطفوا يتقاسمون المواقع كمدعوين يريدون أخذ صورة مع العروسين ولكنهم لا يدركون أنهم في ميتم وأنهم في حضرة جثث هامدة، هكذا نحن اليوم أجساد هائمة بلا روح. لقد ظنوا أن السلطة بدلات و سيارات و صور و إمتيازات ظنوا أن السلطة هي خاتمة نضالهم المزعوم و أنها جنتهم على الأرض و تعويض لهم عن ما يسمونه سنوات الجمر.
مصيبتنا الثانية في نخبتنا، نخبة تعيش في برجها العاجي مازالت حبيسة أحلام الكتب التي قرأتها و فؤادها معلّق بمشاريع و رؤى إما أكلها الصدأ أو مسقطة لا يمكن زرعها في مناخنا ذا الخصوصية و التفرّد ، نخبة لم تعي بعد أنها يجب أن تتخلص من مسامرات الصالونات الثقافية المغلقة و تلتحم بالعامة كي تستطيع أن تفهم كيف يفكر عامل بسيط تصاب موازناته المالية بعجز كبير حين يرتفع سعر تذكرة النقل العمومي بعشرين مليم، صحيح أن مجتمعنا يعيش أزمة قيم و أخلاق و أن نزول المثقف في خطابه إلى مستوى البسطاء قد يجعلهم في كثير من الأحيان عرضة للتهكم و التهجم والتطاول من فئة مهمة من الشعب تستغل نزول المثقف من برجه العاجي لتمارس عليه عقدها و أحقادها. في المقابل يبقى دور النخبة مهما في إحتواء الشعب الكادح و تغيير تلك الصورة النمطية التي يرسمها المواطن البسيط عن نخبة متقوقة لا تخرج من سباتها إلا حين تفرض المصلحة أن يحضر القلم و المنجل معا لقاء إنتخابيا أو إجتماعا لتأليب الشارع.
مصيبتنا الثالثة في أنفسنا، إننا نفتقد معنى الوطنية الحقيقي، حين نحتكر مواد غذائية أساسية لرفع الأسعار، حين نستورد مواد غير سليمة تضر بالأمن الصحّي، حين نعتصم و نعطل أنشطة حيوية في الدولة، حين نوفر المد اللوجستي للإرهابيين مقابلة حفنة دولارات، حين نبيع صوتنا في الإنتخابات مقابل حفنة دينارات، حين أروّج المخدرات و السموم بين الشباب، حين أبث الفتنة و البغضاء بين الأفراد على أساس ديني أو جهوي أو عشائري أو رياضي أو طبقي، حين أكون موظفا عموميا دون مباشرة فعلية أو مثالية ثم أتسلم راتبي شهريا، حين أكون طبيبا و أتاجر بصحة المرضى لصالح المصحات الخاصة، حين أكون معلما و أتاجر بمستقبل أطفالنا من أجل عائدات الدروس الخصوصية، عندما أكون صاحب مهنة حرة أو نشاط تجاري و أتهرب من دفع الضريبة، حين تسرق أسلاك الكهرباء و الإتصالات و أغطية البالوعات و معدات إستغلال و توزيع المياه، عندما أستغل أرضا على ملك العموم، عندما أشغل الطريق و أعطل مصالح الآخرين، حين أشيد بناء دون رخصة أعتدي به على حرية الآخرين و أهدد سلامتهم، حين ألقي الفضلات المنزلية و فضلات البناء في أماكن غير مخصصة لذلك، حين أبث الإشاعات على مواقع التواصل الإجتماعي، كل ذلك جعل الجميع يتكالبون علينا و أصبحنا بلا إنتماء ولا هوية يسهل تدجيننا فرادى و يسهل إختراقنا و إضعافنا و الإستلاء علينا، أصبحنا غرباء في بلدنا. أحبك وطني لكنني حزين.

DOSSIERS SPÉCIAUX