×
  • Bruncher en famille

"معركة المرأة معركة الشعب و معركة الشعب معركة الكرامة"

  • "معركة المرأة معركة الشعب و معركة الشعب معركة الكرامة"

بقلم ريم الورغي-

قدرها أن تكون صاحبة مبدإ و رسالة و إرث نضالي، قدرها أن تخوض حروبا و أن تعيش صدامات منذ نعومة أظافرها و حتى اللحظات الأخيرة من رحلة كفاح و نجاح و تضحيات جسام، قدرها أن تكون لبنة و رمزا وشاهدا على العصر . سخرت حياتها للنضال و دافعت بكل شراسة على حق المرأة في الحياة الكريمة تاركة خلفها تاريخا حافلا بالمحطات الفاصلة في مستقبل المرأة التونسية. نضالات راضية الحداد كانت الحلقة الواصلة التي حولت القوانين الثورية في حق المرأة إلى واقع معيش.

تلك هي راضية الحداد الطفلة التي ثارت على وضعية المرأة وهي في مرحلة الطفولة عندما دخلت في إضراب جوع في العاشر من عمرها بسبب ارغامها على مغادرة مقاعد الدراسة رغم تفوقها، ذنبها الوحيد أنها أنثى في مجتمع ذكوري يرزح تحت نير التخلف و الرجعية و العادات البالية و ظلمات المستعمر في ثلاثينات القرن الماضي، راضية الحداد هي الفتاة التي ضربت عرض الحائط كل معتقد تجاوزته الأحداث و كل فقه لا إنساني يكرس الظلم و الإقصاء و التهميش،رفضت أن يعامل جسد المرأة  على أنه سلعة أو عورة، وبدات رحلة نضالها بالمطالبة بالمساواة في المعاملة وحق المرأة في التعلم والمشاركة الفاعلة في الحياة. 

 

كان أخوها حسيب بن عمار أول من شجعها ودعمها في مسيرة نضالها ، كما أتاح لها زوجها حمودة الحداد نجل القاضي و السياسي المناضل ألعروسي الحداد، فرصة المشاركة في الاجتماعات السياسية جنبا إلى جنب مع رجال من صفوة ما أنجبته حركة التحرير الوطنية على غرار صالح بن يوسف و علي يلهوان فكانت تلك الاجتماعات البوابة التي عايشت من خلالها جل أطياف الحراك الشعبي من قمم الجبال إلى أزقة الحاضرة وشوارعها في رحلة الاستقلال و إعادة تونس لأبنائها،

قاومت المستعمر في وقت كانت فيه المرأة مسلوبة المواطنة دونية الصفة الاجتماعية فجمعت التبرعات و عملت في السرية من أجل المساجين السياسيين و عائلاتهم و نشطت صلب المجتمع المدني فقادت الحركة الكشفية النسائية و انصهرت في الحراك ألجمعياتي النسائي الإسلامي

إنتفضت راضية الحداد ضد حزبها عندما وقع إقصاء المرأة من انتخابات المجلس التأسيسي الأول سنة 1956، وكانت انتفاضتها تلك بداية مرحلة نضالية جديدة و مهمة في مسيرة راضية الحداد، النضال من أجل الإصلاح من الداخل، من داخل الحزب و من داخل العائلة و من داخل الذات، كانت راضية الحداد تدافع عن المرأة المستقلة بذاتها معنويا و ماديا، المتسلحة بهويتها و علمها و ثقافتها، المتعاضدة مع الرجل من أجل بناء أسرة متوازنة على أسس تربوية و اجتماعية معاصرة، الحرة و القيادية و المساهمة في أخذ القرار و تحديد مصير الوطن و رسم طريق البناء والتطور و التنمية لتونس ما بعد الاستقلال

تمردت راضية الحداد على الحزب الحر الدستوري الجديد بطم طميمه لتدخل الانتخابات البلدية لسنة 1957 بقائمة مستقلة وكانت بذلك سابقة في تونس و إفريقيا و الوطن العربي. ترأست الإتحاد القومي النسائي من 1958 إلى 1972 حتى تكون خير سفيرة لمجلة الأحوال الشخصية تعرف بها في الداخل و الخارج و ترسم من خلالها صورة ناصعة و عصرية للمرأة التونسية وتدخل بها آفاق العالمية من أوسع الأبواب، عملت راضية الحداد سنوات طويلة على تطوير العقليات وإنارة العقول، واعتمدت في ذلك على العمل الميداني والاتصال المباشر مع النساء والرجال لنشر ثقافة المساواة ولتمكين كل تونسية وتونسي من الفهم الصحيح لمجلة الأحوال الشخصية. فكانت حياتها طيلة تلك الفترة عبارة عن رحلة طويلة في ربوع البلاد تنقلت خلالها في كل المدن والقرى التونسية لتنشر الفكر الحداثي وتدعم المرأة للمطالبة والتمتع بحقوقها التي ضمنتها لها المجلة.

تلك هي راضية الحداد أول برلمانية تونسية و عربية و إفريقية دخلت مجلس الأمة التونسي من 1959 إلى 1973 ليبدأ معها عصر جديد أصبح فيه للمرأة التونسية شأنها و كرامتها تنتخب و تُنتخب، وهي تقف لجنب مع الرجل تبني و تشيد صرح تونس الحديثة، ناضلت راضية الحداد من أجل أن تكتظ رحاب المدارس و المعاهد و الجامعات بالفتاة التونسية التي صارت تتمتع مثل الفتى بنور العلم و في ذلك أساس العدالة، ناضلت راضية الحداد من أجل إنجاب نخبة نسائية من معلمات و طبيبات و مهندسات و متصرفات يحق لتونس أن تفخر بهن، نخبة تمارس حقوقها كمواطنات صالحات ينعمن بالعزة و الكرامة و يحملن بكل فخر و أمانة الرسالة التي وضعت على عاتقهن من أجل خدمة الأسرة و المجتمع، و هنا يجب التأكيد على أن راضية الحداد ناضلت من أجل المرأة الريفية و جعلتها تواكب التغيرات الاقتصادية و الاجتماعية التي أُدخلت على حياة العائلة التونسية إبان إصدار مجلة الأحوال الشخصية،

       صدرت مذكّراتها بعنوان « حديث امرأة »  عن دار « إليسا » للنشر بتونس سنة 1995 أي قبل وفاتها بسبع سنوات. ذكرت أنّها وفّرت كلّ الوثائق لصهرها الهاشمي الشاهد الذي تولّى كتابة هذه المذكّرات وكان على حدّ قولها أمينا في نقل كلّ الأفكار الواردة به. كتاب في 253 صفحة من الحجم المتوسط،  قدمه أحمد المستيري  . تحدّثت راضية الحدّاد في كتابها عن تجربتها السياسية وعن مختلف الأحداث التي جرت بالبلاد في أثناء الفترة البورقيبية، وعن التجاذبات السياسية التي كانت تعبّر بإيجابياتها وسلبياتها عن رؤى متعددة.

 (*) : راضية الحداد بيروت في نوفمبر 1962

DOSSIERS SPÉCIAUX