×

(مذكرات مريم: قصة من الواقع (الجزء الثاني

  • (مذكرات مريم: قصة من الواقع (الجزء الثاني

منذ الغد إنتقلت (مريم) للعمل في بيت الثري، كان كل شيئ على ما يرام، شعرت أن القدر قد إبتسم لها أخيرا، غرفة مستقلة لها وحدها تغلق بابها ليلا ليكون لها عالمها الخاص، ترحل كل ليلة إلى حيث ترسم وجوها أخرى و أماكن أخرى و أحداثا أخرى تتحدى بها واقعها العين، سؤال جديد أخذ في الجثوم على تفكير(مريم) منذ تلك الحادثة، هل بإمكانها أن تحلم مستقبلا بنفس البيت و نفس الرجل و نفس الأبناء، إنهمكت الفتاة في العمل تريد أن تطوي صفحة القرية بحلوها و مرها، بدأت شيئا فشيئا تكتشف حياة جديدة و طباعا جديدة و قوانين جديدة، أكثر الأشياء التي كانت تسعدها وسط كل هته الضوضاء و هذا الصخب هي التبضع، تأخذ الطلبات من سيدتها و تبطئ الخطى فوق الرصيف الإسفلتي الجميل نحو الفضاء التجاري القريب، تبهرها واجهات المحلات و أضواء اللافتات و روائح البيتزا، تبهرها ملابس النسوة و مقاهي الرصيف و ضحكات فتيات المعهد، تدخل الفضاء التجاري كما تدخل أليس بلد العجائب، تقف أمام كل رف لتمعن النظر في البضائع المختلفة، أكثر ما تراه لا تدرك إستعمالاته، تجرب أحمر الشفاه، تضع شيئا من مزيل رائحة العرق من أكثر من نوع معروض، تتذوق الشكلاطة و أنواعا من البسكويت قبل أن تتخلص من العلب الفارغة بعيدا عن أعين أعوان المراقبة، وكانت في كل مرة تتعرض لتأنيب و أحيانا للضرب من قبل سيدتها لأنها تمعن في التأخير دون سبب واضح و رغم ذلك كانت (مريم) تعيد نفس الصنيع قانعة بعقاب زوجة الثري مقابل تلك الأوقات الممتعة الي تقضيها في فضاء العجائب، مر عى ذلك بضعة أشهر لم تكن تعلم حينها (مريم) أن هناك شخص كان يراقب تصرفاتها داخل الفضاء التجاري، فهم جيدا أنها فتاة مختلفة، معينة منزلية من مكان غير هذا المكان، فتاة بلا عائلة، بلا نصوح، بلا محب، بعد أن تأكد من كل ذلك، مر إلى ما بعد ذلك، ظل يتحين اللحظة المناسبة كي يفاجئها وهي تتخلص من علبة شكلاطة فارغة كانت قد إلتهمتها للتو، توسلته أن يسامحها أن يخلي سبيلها ففعل دون تردد، قدم لها منديلا لتجفف دموعها، رافقها إلى الخارج و طمأنها أنه لن يخبر رب العمل بما إقترفته، ودعها وإنصرف، كان يدرك أنه ألقى الطعم بكل نجاح و تلقت المسكينة الطعم بكل سهولة، منذ تلك الأمسية و (مريم) تلقاه يوميا في الحديقة العمومية خلف الفضاء التجاري، تلقاه لتنهل من كلامه، من إهتمامه، من إحساسها بأن رجلا بجانبها، و يلقاها لينهل من جسد سهل يطفئ به نهم الخسة، مع الأيام أصبحا يصعدان إلى غرفته المكتراة في إحدي العمارات الي تملأ المكان، حين إكتشف أنه لم يكن طارق بن زياد أمعن في إذلالها و نعتها بأبشع الأوصاف، ثم أطردها من الشقة و هددها بأن يكشف أمر سرقاتها إن عادت لتتبضع من نفس المكان الذي يعمل فيه، تحاملت (مريم) على نفسها و رجعت إلى منزل سيدها و لكن هته المرة لم تكن باكية ولم تركض من شدة الخوف بل كانت في قرارة نفسها تعلم أنها بداية طريق جديد نحو المجهول، طريق ستكون فيه لوحدها وسط ذئاب بشرية لا تختلف كثيرا عن تلك التى تعيش في غابات الصنوبر، أصبحت (مريم) حديث القاصي و الداني في الحي و في الأحياء المجاورة، أصبحت قبلة للطلبة و عمال الحضائر و سقط الرعاع، و في يوم ما ضبتها دورية أمنية في وضع مخل داخل دورة المياه لمحل لبيع المواد الغذائية،

(يتبع)

DOSSIERS SPÉCIAUX