×

(مذكرات مريم: قصة من الواقع (الجزء الأول

  • (مذكرات مريم: قصة من الواقع (الجزء الأول

مريم) فتاة ريفية تجلس على الربوة العشرين من عمرها، تنظر للأفق بأعين حالمة: بيت دافئ، زوج يحبها و أطفال يضيؤون لها الحياة، هي تبيع عرائس الطين على حافة الطريق المعبدة، الطريق الوحيدة التي تربط قريتها، المعلقة بين السماء و الأرض في إحدى طيات سلسلة جبلية قاسية، ببقية العالم، طريق تتلوى بين غابات الصنوبر كحية رقطاء تبحث عن فريسة سهلة وسط هته الأرض العذراء.

لن تنسى (مريم) صبيحة ذلك اليوم الخريفي حين توقفت إحدى السيارات التي تمر أمامها يوميا بسرعة جنونية و لا تترك خلفها إلا غبارا مزعجا يزيد من إحساس الفتاة بكونها كائن منسي لا ينتمى لعالم هؤلاء البشر الذين يقودون تلك السيارات، نزل الشاب بنظاراته الشمسية التي يتغير لونها بتغير زاوية النظر نسيت (مريم) نفسها و راحت تتفحص وجهها على بلور نظاراته، أعجبها أن تظاف لوجهها ألوان الطيف، فمرآة بيتهم المنقطة بدوائر سواد لا تكاد تظهر بشرتها المائلة للصفرة ، وجه شاحب أصبحت تتفادى (مريم) حتى النظر إليه، ضحك الشاب مقتربا منها: « شبيك تثبت فيا هكة مادوموازال؟ فيه حاجه غريبه ! » تلعثمت الفتاة ولم تقدر على الإجابة. قهقه الشاب و إقترب منها أكثر: »عِجبتكْ اللونات؟ » زاد إرتباك (مريم) خاصة مع رائحة عطره الفاخر و الذي كان له وقع المخدر على رئتي فتاة بريئة، « كان تعدّيت منا مرّه أخره تَوْ نْجِيبلكْ وَحدهْ كِيفْها » قالها الشاب وهو ويقلب عرائس الطين ثم تركها و كأنها لم تعجبه و مع ذلك وضع في كف(مريم) ورقة نقدية و رجع لسيارته دون أن يترك للفتاة فرصة لتفهم ما يجري

غاب الشاب أسبوعا ظلت (مريم) تعد أيامه ساعة بساعة لا طمعا في النظارات و لا في ورقة نقدية بل في ذلك الإهتمام الذي لم تشعر به يوما لا داخل جدران بيتهم و لا خارجه، و فجأة شعرت بيد تمتد لها بينما كانت منهمكة في تناول بعض حبات الزيتون تلعكها مع قطعة من الخبز الذي طهته والدتها منذ ثلاثة أيام: » هَايْ مادوموازال، هذا الكادو متاعك » لم تعرف (مريم) ماذا تقول ولا كيف تتصرف: » واتاتِك موش نورمال، إيجا شوف روحك، عندي مرايا في الكرهبه » كانت تلك الكلمات آخر ما تتذكره الفتاة قبل أن تشعر بصداع خفيف يلف رأسها، فتحت عينيها المثقلين لسبب لا تعلمه إلى حد تلك اللحظة، وجدت نفسها شبه ملقاة في المقعد الخلفي لسيارة الشاب الذي كان منهمكا حينها بربط حزام سرواله:  » فاش كنت تعمل، شعمتلي شعمتلي » فتحت باب السيارة و ركضت وسط أعواد الحطب الجافة، كان صوت إنكسارها تحت قدميها يلهب نار الصدمة في صدرها،

وصلت بيتهم وهي تلهث من شدة الهلع و التعب، دخلت مسرعة إلى بيت الراحة لتكتشف أن ما تمنت عدم وقوعه على طول الطريق من الغابة إلى البيت، تمنت عدم وقوعة وهي تستحلف الله  بأسماء جميع الأولياء الصالحين الذين تعرفهم، إستحلفت الله ببعض بقايا الخبز الذي في جيبها، لقد وقع ما جعلها تسقط مغشيا عليها، أفاقت (مريم) فوجدت أمها عند رأسها مذعورة: « شبيكي روحتِ بكري، ويني البُرويطه و ويني السلعه »، إنفجرت البنت ببكاء هستيري و روت لأمها ما حدث، لم تنبس والدتها بحرف واحد تركتها و إنهمكت خارج المنزل في تقطيع الحطب، كانت تضرب جذع الخشب فينقسم إلى نصفين يتنناثران يمينا و يسارا تناثر دومع عينيها، كانت ضربة يديها بالفأس تشق الحطب و لكنها كانت تنغرس هناك في صدرها محدثة ألما لا تضاهيه ضربة ألف فأس مجتمعة، راقبت (مريم) ذلك المشهد من خلف الزجاج وهي لا تريد أن تتخيل إلى أين قد تسير الأمور، جاء والدها ليلا و سمعت أمها تتحدث عن موافقتها على أن تعمل (مريم) في بيت أحد أثرياء القرية في العاصمة، تعجب الوالد لقرار زوجته المفاجئ وهي التي كانت رافضة للمسألة رفضا قاطعا

(يتبع)

DOSSIERS SPÉCIAUX