×

« حبيب اللبّان » لخالد هويسة: حين تصبح الدارجة اعترافاً والمسرح سيرةً

  • « حبيب اللبّان » لخالد هويسة: حين تصبح الدارجة اعترافاً والمسرح سيرةً

في إصداره الجديد، يضعنا الممثل التونسي خالد هويسة أمام تجربة كتابية مغايرة، تتشابك فيها خيوط السيرة بالخيال، والبوح الدرامي بالبحث الوجودي. العمل ليس مجرد كتاب بالمعنى التقليدي، بل هو « منطقة تقاطع » حية، تضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام تساؤل مركزي: إلى أي مدى يمكن للغة المحكية (الدارجة) أن تتحول من وعاء للحكي اليومي إلى أداة للتفكير الفلسفي والتحليل النفسي؟

الدارجة: من المشافهة إلى الجسد

يبدو اختيار « الدارجة التونسية » في هذا النص موقفاً ثقافياً وجمالياً واعياً. فبدلاً من الاستناد إلى لغة معيارية تمنح النص مسافة أدبية آمنة، اختار هويسة لغة أقرب إلى « الجسد » وانفعالاته اللحظية. ورغم ما تمنحه هذه اللغة من حرارة وصدق، إلا أنها تضع الكاتب أمام تحدٍ بنيوي: كيف يمكن الحفاظ على عمق الشخصية وتجنب السقوط في المباشرة أو الانفعال الخام؟

شخصية « حبيب اللبّان »: شظايا الذات

تتحرك الشخصية المركزية، « حبيب اللبّان »، في منطقة رمادية بين الاعتراف والإنكار. هي شخصية لا تُبنى وفق المسارات الروائية الكلاسيكية، بل تتشكل من « شظايا » متراكمة من الرغبات المبتورة والتوترات الاجتماعية. هنا تبرز قوة النص في قدرته على عكس تجربة ذاتية مقنّعة، تجعل القارئ يتساءل: هل نحن أمام بطل متخيّل، أم أمام انعكاس مكثف ومراوغ لصوت الكاتب نفسه؟

إيقاع الخشبة وهندسة الحكاية

تتجلى الخلفية المسرحية لخالد هويسة بوضوح في « إيقاع » النص؛ فنحن أمام مونولوج طويل تُسمع فيه الأصوات أكثر مما تُقرأ فيه الجمل. هذا الطابع المنبري يمنح العمل تدفقاً عاطفياً عالياً، لكنه في المقابل يميل إلى تغليب « لحظة الصدق » على حساب « هندسة الحكاية »، وكأن النص يرفض أن يتأطر داخل قالب سردي جامد، مفضلاً البقاء في حالة ومضات شعورية متقطعة.

أسئلة الهوية والرفض المعلّق

يطرح العمل أسئلة جوهرية حول الهوية، وتمثلات الرجولة، والندم الاجتماعي. حتى العنوان، بما يحمله من دلالات شعبية ونبرة نفي وانكسار، يختزل روح النص كـ « رفض لم يُحسم بعد ». هذا الرفض لا يتحول إلى موقف معرفي نهائي، بقدر ما يظل حالة شعورية ممتدة تترك القارئ في حالة تأمل مفتوحة.

يندرج عمل خالد هويسة ضمن موجة أدبية معاصرة تحتفي بـ « الصدق » على حساب « الكمال الفني ». هو نص ينجح في فتح نافذة على صوت داخلي غير مصقول، لكنه يترك سؤالاً معلقاً للمستقبل: هل تكفي الصراحة وحدها لصناعة الأدب؟ أم أن الفن يحتاج دائماً إلى تلك « المسافة » الضرورية بين التجربة المعيشة وفعل الكتابة؟

بين الممثل والشخصية، وبين الحياة كما تُعاش والحياة كما تُكتب، يقدم هويسة محاولة جريئة لاقتحام المسكوت عنه، بلغة تسعى لأن تكون مرآة عاكسة لتعقيدات الذات التونسية المعاصرة.

DOSSIERS SPÉCIAUX